ابن قتيبة الدينوري

112

عيون الأخبار

أبو عليّ الأمويّ قال : كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ، عند عبد اللَّه بن أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه ، وكانت قد غلبته في كثير من أمره ؛ فقال له أبوه : طلَّقها ، فطلَّقها وأنشأ يقول [ طويل ] لها خلق سهل وحسن ومنصب * وخلق سويّ ما يعاب ومنطق فرمي يوم الطائف بسهم ؛ فلما مات قالت ترثيه : [ طويل ] وآليت لا تنفكّ عيني سخينة * عليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا فلله عين ما رأت مثله فتى * أعزّ وأحمى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنّة خاضها * إلى الموت حتى يترك الرّمح أحمرا ثم خطبها عمر بن الخطَّاب ، فلمّا أولم قال عبد الرحمن بن أبي بكر : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي أن أدخل رأسي على عاتكة ؟ قال : نعم ، يا عاتكة استتري ؛ فأدخل رأسه فقال : [ طويل ] وآليت لا تنفكّ عيني قريرة * عليك ولا ينفكّ جلدي أصفرا ( 1 ) فنشجت نشجا عاليا ( 2 ) ؛ فقال عمر : ما أردت إلى هذا ! كلّ النساء يفعلن هذا ! غفر اللَّه لك . ثم تزوّجها الزّبير بعد عمر وقد خلا من سنّها ( 3 ) ، فكانت تخرج باللَّيل إلى المسجد ولها عجيزة ضخمة ( 4 ) ؛ فقال لها الزّبير : لا تخرجي ؛ فقالت : لا أزال أخرج أو تمنعني ، وكان يكره أن يمنعها ، لقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه ؛ فقعد لها الزّبير متنكَّرا في ظلمة اللَّيل ، فلما

--> ( 1 ) آليت : أقسمت ، وسخينة : دامعة متألَّمة ، وأغبر : الذي لونه الغبار ، والمعنى أنّها لن تتزيّن لأجد بعده . ( 2 ) نشجت : من النشيج ، وهو البكاء . ( 3 ) خلا من سنّها : أي تقدّمت في العمر . ( 4 ) العجيزة : مجتمع الرّدفين .